الترجمة ودور السريان بنقل العلوم اليونانية للمسلمين

    شاطر
    avatar
    Dr.MaLeK
    المدير العام
    المدير العام

    المزاج :
    عدد المشاركات : 9702
    العمر : 28
    السنة : خامسة
    المزاج : مبسوط بطلتكم الحلوة

    الترجمة ودور السريان بنقل العلوم اليونانية للمسلمين

    مُساهمة من طرف Dr.MaLeK في الجمعة فبراير 11, 2011 2:39 pm

    أ‌- عوامل مهدت لظهور حركة الترجمة ( الترجمة قبل الإسلام ) :
    أدت الفتوحات الاسكندر الأكبر إلى انتشار الحضارة اليونانية في غرب آسيا و مصر مما اكسب هذه المنطقة طابع خاص أطلق عليه بعض المؤرخين اسم الحضارة الهلينستية و هي ممتدة على الفترة من وفاة الاسكندر الأكبر يونيو 323 ق.م. إلى القرن السابع الميلادي عندما جاء الفتح العربي. و تعد اشهر مراكز الحضارة اليونانية:
    - الإسكندرية - انطاكيا - نصيبين - جنديسابور
    قبل ظهور الإسلام نهض السريان بدور كبير في ترجمة معارف اليونان و علومهم إلى اللغة السريانية، و الذي ساعد السريان على ذلك:
    2. كثير من علماء اليونان تركوا بلادهم تحت تأثير الاضطهادات الدينية و المذهبية و اتجهوا شرقا حيث استقروا في مدينة الرها شمال العراق و هناك أسسوا مدرسة انتعشت في القرن الخامس الميلادي.
    3. عندما أغلق زينون (474 – 491 م) إمبراطور القسطنطينية مدرسة الرها سنة 489 م رحل علماؤها إلى نصيبين حيث أسسوا مدرسة اشتهرت في ميادين الفلسفة اليونانية و الطب اليوناني.
    4. عندما أغلق جستنيان الأول ( 527- 565 م) مدرسة أثينا الوثنية سنة 528 م هجرها علماؤها و اتجهوا شرقا يبحثون عن مأوى في أحضان دولة الفرس.
    و عندما استقر السريان في جنديسابور التابعة للفرس أقام كسرى انوشروان ( 531- 579 م) بيمارستان للطب. و تقع جنديسابور هذه في إقليم خوزستان و قد أسسها سابور الأول لتكون معسكرا و معقلا لأسرى الروم و لذلك كانت اللغة اليونانية معروفة فيها.
    عندما استقر العلماء اليونان في جنديسابور اشتهروا بالدراسات الطبية و ذاعت شهرتهم و صار علماؤها يضعون قوانين العلاج و قد ظلت قائمة و مستمرة في ظل الإسلام، حتى أن الخليفة أبا جعفر المنصور ( 136- 158 ) عندما مرض احضروا له جرجيس بن بختيشوع رئيس أطباء جنديسابور و منذ ذلك الوقت اشتهر آل بختيشوع في بلاط الخلافة ببغداد.
    في حين اشتهار مدرسة جنديسابور ظلت الإسكندرية بمصر ( تأسست 331 ق.م.) و مدرسة انطاكيا شمال الشام (تأسست 300 ق.م.) تمتلك قواعد ثابتة في الفلسفة و المعارف و العلوم اليونانية.
    نجد أن الفلسفة و الفكر اليوناني اتخذ طابع مميز في الشرق في العصر الهلينستي لاصطباغه بصبغة شرقية واضحة و من ابرز ما يمثل هذا هو مذهب الافلاطونية المحدثة التي اشتهرت به مدرسة الإسكندرية و الذي أسسه أفلاطون المصري أو السكندري.
    و عن المدارس الشرقية التي استوعبت الفكر اليوناني سرعان ما غدت مراكز إشعاع للحضارة اليونانية و اشتهرت بالفلسفة و الطب و التشريح و الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و قد جاء نشاط هذه المدارس مصحوبا بنشاط في الترجمة، إذ حرص السريان على نقل الكثير من الكتب اليونانية التي ضاعت أصولها إلى السريانية، و هي احد اللغات الآرامية. و من اشهر مراكز السريان هو مركز مدينة الحران إلى الجنوب من الرها، و قد كانت السريانية بمثابة اللغة العالمية للمعرفة و العلم في منطقة الشرق الأدنى و ذلك قبل ظهور الإسلام. و كان يعيب على الترجمة السريانية أنها ترجمة حرفية مما سبب ضياع المعنى للنص المترجم في بعض الأحيان. و قد أسهم السريان كذلك في ترجمة بعض الكتب عن الفهلوية و هي اللغة الفارسية و منها: كتاب "كليلة و دمنة" و "السندباد".
    عندما ظهر الإسلام و فتح المسلمون فارس و العراق و الشام و مصر في القرن 7م، رؤوا ما في هذه البلاد من مدارس تحتضن حضارة اليونان و فكرهم و لم يكونوا على جهل بهذه الثقافات جهلا تاما، لان بعض المؤثرات الثقافية من المدارس السابقة تسربت إليهم. و بفضل ما أثاره الإسلام من حماسة للعلم و حثهم على التسامح إزاء الديانات الأخرى أدى ذلك إلى تزود المسلمين بقسط نافع من الثقافات التي التقوا بها و لم يكن السبيل إلى معرفتها إلا بترجمتها.

    ب. نشأة حركة الترجمة و ظهورها ( الترجمة بعد الإسلام) :
    هناك رأيين مختلفين حول نشأة حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية، الأول من الكتاب المقرر و الثاني يتعلق بالرأي الأصح في مسالة نشأة الترجمة في الإسلام:
    1. رأي الكتاب:-
    - و يقول هذا الرأي أن الجذور الأولى لحركة الترجمة إلى العربية في أوائل العصر الأموي حيث ذكر في المصادر أن خالد بن يزيد بن معاوية و الملقب بحكيم آل مروان أرسل إلى الإسكندرية في طلب بعض الكتب في الطب و علم الصنعة (الكيمياء) لترجمتها إلى العربية و ذلك بعدما أقصى عن الخلافة طواعية و يقول عنه:
    § ابن النديم: و قد ذكر في "الفهرست" أن خالد كان يسمى حكيم آل مروان و كان فاضلا في نفسه و له محبة في العلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان الذي نزلوا مصر و تفصحوا بالعربية و كان هذا أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة.
    § ابن خلكان: وصف خالد بن يزيد بقوله انه كان اعلم قريش بفنون العلم و له كلام في صنعة الكيمياء و الطب و كان متقنا لهذين العلمين.
    § الجاحظ: قال عنه انه كان أول من أعطى الترجمة و الفلاسفة و قرب أهل الحكمة و رؤساء كل صنعة.
    - و يقال أن خالد بن يزيد استقدم من الإسكندرية راهبا بيزنطيا اسمه مريانس و طلب منه أن يعلمه علم الصنعة و لم يكتفي بذلك و إنما طلب من آخر اسمه اصطفن ترجمة ما أتى به مريانس إلى العربية.
    - و قد اتجه بعض الباحثين الأوروبيين المحدثين أن يشككوا فيما نسب إلى خالد بن يزيد من جهود في الترجمة إلى العربية مستهدفين غمس الإسلام و طمس دوره في ظهور أعظم حضارة عرفتها البشرية في العصور الوسطى، و في ذلك شككوا أيضا في شخصية جابر بن حيان الكوفي ( القرن 2 ) الذي يعتبر أبا لعلم الكيمياء و أيضا شككوا في قسطنطين الأفريقي الذي ينسب إليه ترجمة مؤلفات العرب في الطب إلى اللاتينية مما مهد لظهور مدرسة سالرنو الطبية. و قد ذهب الكاتب لوتسيان كاسيموفتش إلى التشكيك في شخصية محمد في كتابه" لم يكن هناك محمد إطلاقا" .
    - و من الخلفاء الأمويين الذين استكملوا جهود الترجمة بعد خالد بن يزيد، عمر بن عبدالعزيز( 99- 101 ) حيث اصطحب معه عند ذهابه إلى الخلافة في المدينة احد علماء مدرسة الإسكندرية بعد أن اسلم على يديه ابن ابجر واعتمد عليه في صناعة الطب. و قد قام الخليفة عمر بن عبدالعزيز أيضا بنقل علماء مدرسة الإسكندرية إلى مدرسة انطاكيا سنة 100 لكن هذا لا يعني أن مدرسة الإسكندرية أغلقت بل ظلت قائمة في العصر العباسي و من اشهر أطبائها:
    1. بليطان الذي اعتمد عليه هارون الرشيد (170-194 ) في علاج جارية له.
    2. سعيد بن توفيل كان طبيب احمد بن طولون ( 254- 270 ).
    - و من المدارس التي ازدهرت بالعلوم و الترجمة:
    1. مدرسة الإسكندرية: إلا أن انغماسها في الجدل الديني حول بعض القضايا المسيحية و بعدها نسبيا عن مركز الخلافة خاصة في العصر العباسي، جعل تأثير مدارس الشرق و خاصة جنديسابور يبدو أكثر قوة.
    2. مدرسة جنديسابور: اشتهرت هذه المدرسة بدراسة الطب و فيها ترجمت مؤلفات اليونان في الطب إلى السريانية و بعد ذلك نقلت إلى العربية، و ينتسب إلى هذه المدرسة أطباء أسرة بختيشوع الذين اشتهر منهم من عالجوا الخلفاء العباسيين الأوائل.
    3. مدرسة حران: و كانت مركزا للأثينيين الصابئة و هم من السريان الذين اختلطوا باليونانية الوثنيين الفارين من الاضطهاد المسيحي، و ينسب إلى هذه المدرسة: ثابت بن قرة الصابئي و له مؤلفات عديدة في الطب و عمل في خدمة الخليفة المعتضد العباسي( 279-289 ) و كان من ذريته سنان بن ثابت الذي حظي برضاء الخليفة القاهر. كما اشتهرت مدرسة حران بالفلك و ينسب إليها في هذا المجال:
    - عبدالله محمد البتاني - أبو جعفر الخازن

    2. و الرأي الأصح في نشأة الترجمة:
    - ترجع حركة الترجمة إلى صدر الإسلام في عهد الرسول الكريم (ص) و بتكليف منه، فنُقل عن الصحابة رضوان الله عليهم: "من عرف لغة قوم امن شرهم" . و من اشهر من تعلم السريانية في عهد الرسول هو زيد بن ثابت و قد تعلمها في ستين يوما و تعلم كذلك الفارسية و الرومية.
    - أقدم بردة في الإسلام تعود إلى سنة 22 و عليها نص باسم عمرو بن العاص و به ثلاثة اسطر باليونانية و الترجمة بالعربية تحتها، و بالتالي الترجمة ظهرت في صدر الإسلام و ليس منذ العصر الأموي.

    ج. تطور حركة الترجمة و ازدهارها:
    حركة الترجمة إلى العربية أخذت تتسع و تزداد قوة في العصر العباسي بفضل:
    1. تشجيع الخلفاء العباسيين و رعايتهم لهم و قد فتحوا بغداد أمام العلماء و اجزلوا لهم العطاء و أضفوا عليهم ضروب التشريف و التشجيع بصرف النظر عن مللهم و عقائدهم. في حين أن حركة الترجمة في العصر الأموي كانت محاولات فردية لا يلبث أن تذبل بزوال الأفراد.
    2. غدت ركنا من أركان سياسة الدولة فلم يعد جهد فردي سرعان ما يزول بزوال الأفراد سواء حكام أو غير ذلك بل أصبح أمرا من أمور الدولة و ركنا من أركانها.
    و في حين أن الترجمة في العصر الأموي اقتصرت على الكيمياء و الفلك و الطب، نجد انه في العصر العباسي صارت أوسع نطاقا بحيث شملت الفلسفة و المنطق و العلوم التجريبية و الكتب الأدبية.

    من أمثلة اهتمام الخلفاء العباسيين بالعلماء و المترجمين:
    1. الخليفة أبا جعفر المنصور( 136- 158 ) : و قد عني بترجمة الكتب إلى العربية سواء من اليونانية أو الفارسية، و في تلك المرحلة نقل حنين بن إسحاق بعض كتب ابقراط و جالينوس في الطب و نقل ابن المقفع كتاب "كليلة و دمنة" من الفهلوية.
    2. هارون الرشيد (170 -194 ): عندما كثر أعداد العلماء في بغداد انشأ لهم دار الحكمة لتكون بمثابة أكاديمية علمية يجتمع في رحابها المعلمون و المتعلمون و حرص على تزويدها بالكتب التي نقلت من آسيا الصغرى و القسطنطينية.
    3. المأمون ( 198-218 ) : ازداد اهتماما ببيت الحكمة، فوسع من نشاطها و ضاعف العطاء للمترجمين و قام بإرسال البعوث إلى القسطنطينية لاستحضار ما يمكن الحصول عليه من مؤلفات يونانية في شتى ألوان المعرفة، فاخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر، و ابن البطريق فاخذوا مما اختاروا و قد ذكر ابن النديم انه كان بين المأمون و إمبراطور القسطنطينية مراسلات بهذا الشأن.
    من اشهر المترجمين في العصر العباسي:
    - ثيوفيل بن توما الرهاوي - جورجيس بن جبرائيل - يوحنا بن ماسويه
    - الحجاج بن يوسف الكوفي - ثابت بن قرة - حنين بن اسحق
    - اسحق بن حنين.
    و نخص بالذكر حنين بن اسحق الذي ترجم كتبا عديدة في المنطق و الفلسفة و الطبيعة لكن اغلب ما نقله كان في الطب و قد ترجم من اليونانية إلى السريانية و العربية فترجم لجالينوس 95 كتابا إلى السريانية نقل منهم إلى العربية 39 كتابا فقط.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد و حــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدة

    متى ما نبذنا الانانية وحرصنا على المصلحة العامة سنبني مجتمعا يشرفنا



    avatar
    Dr.MaLeK
    المدير العام
    المدير العام

    المزاج :
    عدد المشاركات : 9702
    العمر : 28
    السنة : خامسة
    المزاج : مبسوط بطلتكم الحلوة

    رد: الترجمة ودور السريان بنقل العلوم اليونانية للمسلمين

    مُساهمة من طرف Dr.MaLeK في الجمعة فبراير 11, 2011 2:52 pm


    مراكز النشاط العلمي عند السريان
    يمكن تصنيف مراكز النشاط العلمي عند السريان إلى أربع فئات وهي كما يلي :
    أ – المدارس أو الكليات التي أسسها السريان منذ المئة الأولى والثانية في بلاد ما بين النهرين وفارس وسورية ، وأشهرها مدرسة الرها ، ومدرسة نصيبين ، ومدرسة السلوقية أي المدائن ، ومدرسة حران ، ومدرسة جندشابور .

    ب – الأديرة ومدارس الكنائس التي انتشرت في طول البلاد وأهمها : دير قنسرين على ضفة الفرات الشرقية إزاء مدينة جرابلس ، دير العمود بالقرب من رأس العين في الجزيرة ، دير قرتمين ويعرف بدير العمر ، دير تلعدا الكبير في حلب جوار أنطاكية ، دير مار زكا بجوار الرقة ، دير مار متى ودير مار بهنام بالقرب من الموصل ، دير مار برصوم بالقرب من ملطية ، مدرسة البطريركية الشرقية في بغداد ، ومدارس الكنائس في الحيرة والكوفة وكركوك وأربيل ....

    ج – المدارس التي أسسها الفرس والعرب والمغول حيث كان علماء السريان يقومون بأبحاثهم أو يدرسون فيها أو يشتركون في إدارتها ، وأشهر هذه الكليات مدرسة جندشابور في شمال إيران ، وبيت الحكمة الذي أسسه الخلفاء العباسيين في بغداد ، ومكتبة ومرصد مراغا في شمال إيران .

    د – المدارس اليونانية الشهيرة حيث عمل فيها بعض علماء السريان ، وأهم هذه المدارس مدرسة الإسكندرية ، ومدرسة أنطاكية ومدرسة أثينا .
    ويجدر الذكر مرة ثانية أن اليونان بعد الفتح الاسكندري أخذ عددهم يتزايد في هذه الديار ، فسعوا إلى بسط حضارتهم ولغتهم على أهل البلاد الأصليين وساعدهم على ذلك الرومان . استمر البيزنطيون الروم على هذه السياسة فيما بعد .

    فكان لا بد من أن تحدث ردة فعل ومقاومة عند الشعوب المتكلمة باللغة الآرامية السريانية ، فتزعمت هذه الحركة في صدر انتشار المسيحية في الربوع الشرقية المدن التالية : نصيبين و الرها وحران ، وكل واحدة منها وقعت مراراً تحت سيطرة السلوقيين والرومان والبيزنطيين حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي . ويجدر الذكر أن هذه المدن الثلاث تقع على إحدى الطرق التجارية الرئيسية قديماً ، إذ كانت تمر بها القوافل الآتية من أو الذاهبة إلى بلاد الصين والهند وإيران .

    وكانت حران مدينة مقدسة عند سكان العراق قديماً لأنها كانت أهم مركز لعبادة القمر أو الإله سن ، وبقي الحرانيون على وثنيتهم حتى خراب مدينتهم في القرن الثاني عشر بعد الميلاد . وإلى حران قدم إبراهيم الخليل ومكث فيها مدة لدى نزوحه من أور الكلدانيين قاصداً فلسطين .كما وأرسل إبراهيم عبده إلى حران قائلاً له : " اذهب إلى حران واختر من بني قومي عروساً لابني اسحق " . وقد حافظ الحرانيون على قسم كبير من العلوم البابلية في الطب والرياضيات والفلك . وكانت حران جزءاً من مملكة الرها إذ أنها تبعد تقريباً ( 45 ) كم عن الرها العاصمة .

    تأسست مملكة الأباجرة في الرها حوالي مئة سنة قبل الميلاد واستمرت مملكة مستقلة أو شبه مستقلة حتى العام ( 217) بعد الميلاد وحسب التقليد السرياني يقال أنه جرى اتصال بين الأبجر الخامس الملقب ( أوكومو ) ويسوع المسيح ، فقدم توما الرسول يبشر المسيحية في الرها وجوارها ومن ثم انتقل إلى الهند حيث أسس الكنيسة السريانية هناك . وتابع التبشير المسيحي في الرها مار أدى . أحد المبشرين السبعين . وهناك دلائل ثابتة على أن أبجر الثامن اعتنق الدين المسيحي هو ومعظم أتباعه في الرها في أواخر القرن الثاني ، وبذلك تكون الرها أقدم مملكة مسيحية في تاريخ الكنيسة .

    ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الآرامية الرهاوية وسميت هذه الترجمة ( بشيطو ) أي المبسطة ، ولما استقر ططيان في الرها في العام ( 170) م ترجم الأناجيل الأربعة بقالب موحد ، وسمى هذه الترجمة( دياطيسرون ) أي من خلال الأربعة ، ودام استخدامها في الكنيسة السريانية حتى أبطلها مار رابولا في أواخر القرن الخامس . وكان ططيان ضليعاً في الفلسفة القديمة اليونانية إلا أن معظم ما كتب فقد . وجاءت من بعده برديصان الذي ولد على نهر برديصان في الرها وترعرع في بلاط أبجر الثامن وصاحب الأمير أبجر التاسع . وكان برديصان نابغة الشعر السرياني فألف القصائد الدينية والدنيوية ولحنها وعلمها للشباب والشابات في الرها وجوارها ، فكان مؤسس الكورس الموسيقي السرياني . وقد توفي برديصان في العام ( 220 ) م . وكان من نتائج الترجمة والمقالات والأشعار والأناشيد التي وضعت جميعها باللغة الرهاوية أن أصبحت اللهجة الآرامية الرهاوية لغة الكنيسة السريانية في جميع أنحاء البلدان فعرفت مذ ذلك الوقت باللغة السريانية إلى يومنا هذا كما ذكرنا . وتجدر الإشارة إلى أن مدينة الرها لا تزال قائمة ومعروفة بمدينة أورفا وهي واقعة في تركيا بالقرب من الحدود السورية التركية .

    دور السريان العلمي
    لا شك الآن أنكم تتساءلون ما هو دور السريان العلمي ؟ ماذا قدم السريان إلى العلوم النظرية والتطبيقية والرياضيات ؟
    وماذا كان إسهامهم في الحضارة الإنسانية ؟
    للسريان تاريخ طويل وإنتاج غزير في الكتب الذي ألفوه . وللإجابة عن هذه الأسئلة نحتاج إلى مجلدات عديدة من التدقيق والبحث والمقارنة . ولكني سأوجز لكم في هذه الأمسية ما اعتقد أنه يشكل المآثر البارزة عن دور السريان العلمي .

    1- كما ذكرت ، كان السريان معجبين أشد الإعجاب بالتراث العلمي والفلسفي عند اليونان والبعض منهم شارك بتطويره إلى مرحلة جديدة عرفت بالهلينستية . فقام علماء السريان بنقل القسم الأكبر من التراث اليوناني إلى لغتهم السريانية بغية احتواء ذلك التراث وتعليمه في مدارسهم . وعندما فَقِدَ الأصل اليوناني كان هذا التراث محفوظاً باللغة السريانية وفي العهد الإسلامي العربي قام السريان بدور الترجمة مرة ثانية . ونقلوا هذا التراث من السريانية وأحياناً من اليونانية إلى العربية ، هكذا انتقل هذا التراث إلى أوروبا في القرون الوسطى ومن بعدها ، فكان ذلك عنصراً فعالاً في قيام النهضة هناك .

    2- لم ينحصر عمل السريان بالترجمة فقط بل قاموا بالشرح والتفسير والتعليق على النصوص ومقارنة محتوياتها بالتراث السرياني وتراث شعوب أخرى . كما أنهم عملوا على التنسيق بين الفلسفة اليونانية والفقه المسيحي . وأشهر من قام بهذه الأعمال سويرا سابوخت ، ومار يعقوب الرهاوي ، وسرجيس ريشعيني ، وحنين بن اسحق ، ويوحنا بن ماسوية ، وابن العبري .

    3- قام ملافنة السريان بتعليم عظماء الفلاسفة والعلماء المسلمين فقد تتلمذ الفارابي على يد متى بن يونس في بغداد وثم ليوحنا بن خيلان في حران ، وكذلك الجيل الأول من الأطباء المسلمين تعلموا الطب من الأطباء السريانيين في بيت الحكمة في بغداد أمثال سرجيس بختيشوع وأولاده وحنين بن اسحق .

    4- أتقن السريان الطب وبرعوا فيه . نقلوا الطب اليوناني إلى لغتهم وإلى اللغة العربية وأضافوا عليه الكثير من الطب البابلي . ويعتبر الطب السرياني أساس الطب العربي . ومن أشهر أطباء السريان نذكر : حنين بن اسحق ، وسرجيس بختيشوع وأولاده ، وثابت بن قرة الحراني وأولاده .

    5- يعتبر جابر بن حيان الحراني مؤسس علم الكيمياء عند السريان والعرب وقد اشتهر أيضاً في علم السيمياء (alchemy) ) . وهو الذي اكتشف كيفية تحضير بعض الأحماض كروح الملح وحامض الكبريتيك ، كما أنه حضر عدداً كبيراً من الأملاح الكيميائية . وقد اشتهر بعض ملافنة السريان في الكيمياء أيضاً وكتبوا مصنفات في العقاقير الطبية .

    6- وللسريان دور هام جداً في تطوير الرياضيات وعلم الفلك ، وبرع الحرانيون خاصة بهذه العلوم لأنهم كانوا ضليعيين في الرياضيات والفلك البابلي . وأشهر العلماء في هذا الحقل هم ثابت بن قرة وأولاده ، ومحمد بن جابر بن سنان البتاني ( توفي 929 م ) وهو حراني اعتنق الدين الإسلامي . ويُعد البتاني من عظماء الفلكيين والرياضيين في العالم .

    وتجدر الإشارة بكل فخر إلى أن سويرا سابوخت ، رئيس دير ومدرسة قنسرين كان مطلعاً على الرياضيات الهندية وهو أول من أدخل الأرقام الهندية إلى الأوساط السريانية وكتب عن مميزاتها ، فأخذ العرب هذه الأرقام عن سابوخت وليس عن الهنود مباشرة . وكذلك تجدر الإشارة إلى أن مار يعقوب الرهاوي الذي كان تلميذ سابوخت استنبط الأرقام المعروفة بالأرقام العربية السورية ومنه أخذ الأمويون هذه الأرقام معهم عندما انتقلوا إلى الأندلس ومن ثم انتقلت هذه الأرقام إلى أوروبا وتطورت إلى الشكل المستعمل في عصرنا الحاضر .

    7- رغم استخدام السريان الأرقام الهندية أو السورية في الرياضيات والفلك فقد استمروا على استخدام الأحرف السريانية الفينيقية في تسجيل التواريخ وفي حساب الجمل في أشعارهم . ولا يزال هذا التقليد مستخدماً في العربية لبيان ترتيب المقاطع في النصوص المكتوبة أو المطبوعة ومثال ذلك إننا نكتب ( ا ، ب ، ج ، د ، ه ، ... ) وليس ( ا ، ب ، ت ، ث .....) .

    8- عندما انتشرت إرساليات السريان المشرقيين في الأقطار الأسيوية حمل الرهبان معهم الخط السرياني مما أدى إلى اشتقاق الخطوط المغولية والتترية والتركية القديمة في أواسط آسيا من الحروف السريانية الفينيقية . وتجدر الإشارة إلى أن بعض الرهبان السريان في الصين أخذوا التقليد الصيني فكتبوا السريانية بخطوط عمودية ، من الأعلى إلى الأسفل وليس من اليمين إلى اليسار .

    9- لقد تأثرت اللغة العربية الفصحى بالسريانية بالنواحي التالية : دخول ألفاظ سريانية عديدة إلى اللغة العربية وطبعاً منها المفردات العلمية . وثانياً ، تنظيم الصرف والنحو العربي على مثال نظام الصرف والنحو عند السريان . ويقال أن سيبويه تعلم ذلك من يوحنا بار ماسويه . وثالثاً ، اشتق الخط العربي الكوفي خاصة من الخط السرياني .

    10- كان السريان أصحاب تقنيات صناعية وزراعية وهندسية ويدوية في جميع مراحل تاريخهم الطويل . فاشتهروا بصناعة السجاد ، والتطريز ، ودبغ الجلود ، وتحضير الرق للمخطوطات ، وحياكة النسيج ، وصناعة الفخار ، وتحضير الأدوية والمأكولات ، وإلى هناك من انجازات . وقد ابتكروا الكثير من هذه التقنيات الحرفية ، وأخذت عنهم الشعوب التي اتصلت بهم . ويكفي أن أذكر لكم أن القماش المسمى " موصلين " وهو ابتكار قام به سريان الموصل في شمال العراق ، وكذلك مشتقات البرغل والمأكولات التي تحضر منه .


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد و حــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدة

    متى ما نبذنا الانانية وحرصنا على المصلحة العامة سنبني مجتمعا يشرفنا



    avatar
    Great dodi
    عضو مميز
    عضو مميز

    المزاج :
    عدد المشاركات : 3615
    العمر : 26
    السنة : تالتة

    رد: الترجمة ودور السريان بنقل العلوم اليونانية للمسلمين

    مُساهمة من طرف Great dodi في الأحد فبراير 13, 2011 6:45 pm

    يسلمو عالمجهود أخي وردة

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 26, 2017 3:57 am